محمد عبد الله دراز
286
دستور الأخلاق في القرآن
أرسطو « 1 » . فكيف أكون في هذه الظّروف مسؤولا دون أن أدري ، وكيف تقع المسؤولية إذا لم يكن مبعثها تنبيه ضميري ؟ . الحقّ أنّ هذا المبدأ لا يعبر إلّا عن نوع من العدالة القانونية ، الّتي ترى النّاس من خارج ، وتحكم عليهم موضوعيا ، وإحصائيا ، تبعا لسلوك متوسطهم . ولا شك أنّ من المفيد واللازم لحفظ النّظام في المجتمع - أن ننظر إلى الأمور من هذه الزّاوية . وإلّا فإنّ الباب قد يتسع كثيرا ، بالنسبة إلى جميع مخالفات القانون ، بحجّة الجهل بالقانون . أمّا فيما يتعلق بالمسئولية الأخلاقية ، والدّينية الّتي نعالجها الآن ، فلا ينبغي أن تقوم إلّا على الحالة الواقعية لضميرنا ، مع تحفظ واحد هو ألّا يزيغ هذا الضّمير مختارا عن الهدى الّذي يقدم إليه ، بل يحاول أن يبحث عنه عند الحاجة ، واللّه يقول : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ « 2 » . فليس يكفي إذن ، في نظرنا أن يحمل القانون إلى علم النّاس بعامة ، وأن أكون
--> ( 1 ) يبدو لنا أنّ بسكال [ Pascal ] ، في هجماته على اليسوعيين ، قد غلا في كلام أرسطو ، حين ذكر أنّه قال : إنّ جميع الأشرار يجهلون ما يجب أن يفعلوه ، وما يجب أن يهجروه وحسب ما يرى بسكال فإنّ أرسطو كان يفرق أساسا جهل الواقع ( أي ظروف الحدث ) ، عن جهل القانون ( أي الخير والشّر في العمل ) فالأوّل وحده يعذر فيه الفاعل . [ Provinciales 4 e lettre ] ، على أنّ هذا التّخصيص لا يبدو لنا أرسطيا ، لأنّ أرسطو - نفسه - يجعل من بين الحالات الجديرة بالمغفرة والرّحمة - حالة أخيل ، [ Eschyle ] ، في إفشائه الأسرار ، دون أن يعرف أنّ ذلك محرم [ Ethique , debut du livre III ] ، هذا إلى أننا إذا أخذنا برأي بسكال فقد تلتبس نظرية أرسطو بنظرية أفلاطون ، وسقراط ، الّتي ترى أنّ نتونى بين الفضيلة وعلم الخير والشّر . ( 2 ) الزّخرف : 36 .